فى
سبيل رسول الله ( قل هذه سبيلى أدعو
إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى)
1 ـ
حق الجار
الحمد
لله جلََّ جلاله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله
، وبعد ؛ فالجوار أمر ضروري لا غنى عنه ، ولاطمأنينة في الحياة بدونه ، وكل إنسان منا
يشعر بأن جزءً كبيراً من سعادته وسعادة أسرته مرتبط بعلاقته مع جيرانه ، وصلته بأقرانه.
فإذا كان متعاوناً معهم ، يبادلهم المحبة والاحترام ، كان مستريحاً في نفسه ، مطمئناً
على أهله ، قائماً بأعماله خير قيام . وإذا كان معهم في خصام كان متعباً في نفسه ،
قلقاً على أهله ، مشغولاً بالمشاكل التى تصرفه عن إجادة عمله وإتمامه .
من أجل ذلك كان من
أهم ما أوصى به ديننا الإسلامى الحنيف ؛ الإحسان إلى الجيران ، ومعاملتهم باللين والرحمة
، ومد يد المساعدة والعون إليهم ، يقول الله تعالى في الكتاب العزيز : ( واعبدوا الله
ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى
والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وماملكت أيمانكم إن الله لايحب من كان مختالا
فخورا) . فهؤلاء تسعة أصناف من الناس ، الإحسان إليهم مطلوب ، كما ترون ، ومن بينهم
الجيران ، فمن هم الجيران ؟
الجيران ثلاثة : جار له ثلاثة حقوق ، وجار له حقان ، وجار له حق واحد ، فالجار الذى
له ثلاثة حقوق هو الجار المسلم القريب ، له حق الجوار ، وحق الإسلام ، وحق القرابة
، والجار الذي له حقان هو الجار المسلم له حق الجوار ، وحق الإسلام . وأما الجار الذي
له حق واحد فهو الجار المشترك ، له حق الجوار فقط .
فلتنظر البشرية جمعاء كيف يحترم الذين الإسلامى حق الجوار حتى ولو كان الجار مشركاً
؛ فالجار المشرك ينبغى أن نحسن معاملته ، وأن نقدم له الخير ، وأن نكف الأذى عنه .
ولنا
في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع جيرانه الأسوة الحسنة ، فقد ملأ التاريخ بعظمته
، وبهر الإنسانية بسيرته ، وعمّ جيرانه إحسانه
، ولم يقابل الإساءة بالإساءة ، بل قال : ( مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه
سيورثه ) .
فبين
لنا بهذا الحديث أن الوصية بالإحسان إلى الجيران من السماء لا من الأرض ، من أمين الوحي
جبريل ـ عليه السلام ـ عن رب العالمين ، وأنها وصية متكررة ملحة ، ليست مرة أو مرتين
أو ثلاثاً ، وإنما وصلت إلى الحد الذي ظَنَّ
معه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل سيجعل للجار نصيباً في ميراث جاره ، كأنه
أحد أفراد أسرته الأقربين .
ـ من هو الجار؟
وليس المراد بالجار
هو المقيم بجوار بيتك فقط ، بل لك جيران كثيرون ، لهم عليك حقوق وواجبات ؛ فزميلك في
العمل جار ، والتاجر إلى جانب التاجر جار ، والزارع بجانب أرضك جار ، والعامل إلى جانب
العامل جار ، والمسافر إلى جانب المسافرجار ، والزوج إلى جانب الزوج جار ، والطالب
إلى جانب الطالب جار ، والتلميذ إلى جانب التلميذ جار .
وكلمة
الجار تطلق على أربعين داراً حولك من كل جانب ، سئل الحسن البصري عن الجار فقال : أربعون
داراً أمامك ، وأربعون داراً خلفك ، وأربعون داراً عن يمينك ، وأربعون داراً عن يسارك
، وأقربهم إليك داراً هو أولاهم بالإحسان
والإكرام .
ـ حقوق الجار
:
وأما حقوق الجار المطلوبة مني ومنك ، والتي
تحقق لنا السعادة والطمأنينة في الحياة فقد جمعت في حديث للنبي صلى الله عليه وسلم
، يصلح أن يكون دستوراً في التعامل مع الجيران ؛ فعن معاذ بن جبل ـ رضى الله عنه ـ
قال : قلنا : يارسول الله ، ما حق الجوار ؟ قال : ( إذا استقرضك أقرضته ، وإذا استعانك
أعنته ، وإذا افتقر عدت عليه ، وإذا مرض عدته ، وإذا أصابه خير هنأته ، وإذا أصابته
مصيبة عزيته ، وإذا مات اتبعت جنازته ، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا
بإذنه ، ولا تؤذه بقتار ريح قدرك إلا أن تغرف له منها ، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له
منها ، فإن لم تفعل فأدخلها سرا ، ولايخرج بها
ولدك
ليغيظ بها ولده . هل تفقهون ما أقول لكم ؟ لن
يؤدي حق الجار إلا قليل ممن رحم ربكم ) .
هذه
هي تعاليم ديننا في التعامل مع الجيران ، فما بال أكثر الناس أصبحوا بعيدين عنها كل
البعد فى عصرنا الحاضر ؟ إذ نسمع عن جار يهتك عرض جاره ، وجار يذيع عن جاره أقاويل
السوء ، وجار يسرق جاره ، وجار يذهب بجاره إلى أقسام الشرطة وقاعات المحاكم ، وجار
لا يعرف شيئا عن جاره ، فلاسلام ، ولا زيارة ، ولاعيادة في مرض ، ولاتهنئة في فرح ،
ولاتعزية في مصيبة ، حتى ضعفت روح المحبة والتعاون بين أفراد المجتمع المسلم ، وقلت
صنائع المعروف ، وأي عذر لنا وأي جواب حين نقف بين يدي الله تعالى يوم القيامة ، ويتعلق
الجار الفقير بجاره الغني يشكوه ؛ فقد حدّث ابن عمر
ـ رضى الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كم من جار متعلق بجاره
يوم القيامة يقول : يارب سل هذا لم أغلق بابه
دوني ، ومنعني معروفه ) .
ولا
يكون المؤمن كامل الإيمان حين يبيت شبعان وجاره جائع أو محتاج إلي كسوة ، قال صلي الله
عليه وسلم : ( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه ، وهو يعلم) ، وحينما جاءه
رجل فقال : يارسول الله اكسني ، أعرض عنه ، فقال : يارسول الله اكسني ، فقال عليه الصلاة
والسلام : ( أما لك جار له فضل ثوبين ؟ قال : بلى ، غير واحد ، قال صلى الله عليه وسلم
: ( فلا يجمع الله بينك وبينه في الجنة ) .
ومن
حق الجار علينا أن نكف الأذى عنه ، وأن نصفح عن زلاته ، وأن نحب له ما نحب لأنفسنا
، فإذا رأينا منه عورة سترناها ، وإذا رأينا سيئة غفرناها ، وإذا رأينا حسنة أفشيناها
.
وليس
من حق الجار علينا أن نكف الأذى عنه فقط ، بل لابد من احتمال الأذى منه . جاء رجل إلى
ابن مسعود ـ رضى الله عنه ـ فقال له : إن لى جاراً يؤذينى ، ويشتمني ، ويضيق علي ،
فقال له : اذهب فإن هو عصى الله فيك فأطع
الله فيه . وقال بعض العلماء : حسن الجوار في أربعة أشياء : أن يواسي الجار جاره بما
عنده ، وأن لا يطمع فيما لجاره ، وأن يمنع أذاه عنه ، وأن يصبر على أذيته .
ولم
تقف عناية الإسلام بالجار عند هذا الحد ؛ فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيران
هم الفيصل في الحكم على الإنسان بالإحسان
أو الإساءة ، فعندما جاء إليه رجل فقال : يارسول الله ، كيف لي أن أعلم إذا أنا أحسنت
أني أحسنت ، وإذا أنا أسأت
أنى أسأت؟ قال : ( إذا سمعت جيرانك يقولون
: أحسنت فقد أحسنت ، وإذا سمعتهم يقولون : أسأت فقد أسأت ) .
فالإسلام
دين النوايا الصادقة ، والمشاعر الطيبة ، والمعاملة الحسنة . أما المظاهر الكاذبة ،
والأقوال البراقة ، والشعارات الخداعة فليست من الإسلام في شيء ؛ ولذلك قيل
إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر ، ورفقاؤه في السفر ، ومعاملوه في الأسواق ، فلا
تشكوا في صلاحه .
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لايهدي لأحسنها إلا أنت .
د/
أحمد عيد عبد الفتاح
كلية
اللغة العربية فى القاهــرة
جامعة
الأزهر الشريف
|